Category: فكر و مجتمع


الزملاء الكرام : كتبت هذا الموضوع منذ سنوات في أحد المنتديات , ثم تراجعت عما فيه في فترة صراع داخلي حاد بين المتدين القديم و اليساري الجديد…
أعود الآن لطرحه لازدياد قناعتي بصحة ما كتبت …
إليكم الموضوع :

بعد جلسة حوار مطولة بيني و بين بعض الأصدقاء , و إلحاح أحد أصدقائي على وجه الخصوص لكشف ما يرى أنه ((ضبابية فكرية)) أعاني منها , كانت ليلة أمس ليلة مرهقة حاولت فيها استجماع ما أمكن من قواي الذهنية و ما قرأت من كتب و مقالت لصوغ مقال يوضح بشكل مجمل قناعات [يسار]..
كان السؤال الموجه إلي : هل أنت ماركسي لينيني أي شيوعي بالمعنى المتعارف عليه؟
و كان جوابي: كلا لست كذلك.
و تناقشنا في أفكاري و معتقداتي فقال لي صديقي : ما الفرق بين ما تنادي به إذاً و بين الليبرالية؟ و على أي أساس تكون أنت يسارياً و فلان ليبرالياً مثلاً..
و الجواب باختصار :
لنعد بالزمن قليلاً إلى الوراء..
عندما انهار الاتحاد السوفييتي ومعه كل الأنظمة الاشتراكية في أوروبا تحول العالم إلى نظام القطب الواحد، عملياً. هذا التطور قاد إلى تصعيد لم يسبق له مثيل في السياسة الأمريكية، والغربية عموماً، وهذا التصعيد وجد تعبيراً عنه في تصعيد عنيف للاستغلال الاقتصادي الذي يمارسه الغرب الرأسمالي الصناعي، بقيادة أمريكا، ضد كل شعوب العالم.
إن المخطط الأمريكي، هو مخطط تفتيت وتفكيك الدول القومية، بل وتفكيك الفكرة القومية والرابطة القومية ويبيعون”العولمة” على أنها تفكيك كل شيء، وتقديس المال والتقدم الشخصي الموهوم في عالم، بلا قومية، وبلا ثقافة، وبلا تراث، وبلا انتماء جماعي للشعب..
هذا هو الوجه الحقيقي للرأسمالية العالمية بزعامة أمريكا في الوقت الحالي.
يطرح ما سبق أمامنا السؤال التالي :
هل الماركسية بشكلها التقليدي هي الحل؟
إن التجربة الاشتراكية تجربة عاصفة وعظيمة، ولكن العاصفة العالمية تحولت بسرعة تاريخية إلى مستنقع للبيروقراطية الدموية والطبقية المرعبة والاغتيالات وغياب أبسط حقوق الإنسان.
ولذلك فإننا نستذكر القول الشهير للفيلسوف الألماني الشهير هيغل “كل نظام يسقط أغلب الظن أنه كانت أسباب موضوعية لسقوطه”.
هل يعني هذا الكلام أن الرأسمالية هي الخيار وما علينا إلاّ أن ندور في فلك النظام الاحتكاري-الاستعماري الأمريكي؟
يقيناً أن الصراع الطبقي، بمعناه الشامل، الاقتصادي والاجتماعي والفلسفي، هو حتمية تاريخية في ظل نظام الاستغلال البشع واحتكار القلة القليلة لأكثرية خيرات المجتمع. .
و لكن بشكل مختلف عن التجربة السوفييتية السابقة.
إذا كان ماركس وإنجلز قد نظَّرا لمطلع القرن التاسع عشر، وإذا كان لينين قد نظَّر للثورة البروليتارية في مطلع القرن العشرين، فإن التخمين العلمي يقول إن النضال العمالي، الاشتراكي، الاجتماعي، في عصرنا العاصف يحتاج إلى رؤية جديدة، إلى صياغة جديدة، إلى نضال في ظروف جديدة تماماً، وإلى أساليب ديمقراطية وجماهيرية لم تكن ممكنة قبل قرن من الزمان.
إذاً نعود للسؤال الجوهري : ما هو لب فكرك يا يسار ؟؟
قال ماركس ذات مرة : ((أنا إنسان و كل ما هو إنساني ليس غريباً عني))
فالمطلوب بدون تأجيل هو أنسنة الماركسية، بحيث تضم بالإضافة إلى الصراع الطبقي، الصراع الثقافي، الصراع دفاعاً عن حقوق الإنسان، الصراع للمساواة الحقيقية للمرأة، الصراع دفاعاً عن الأقليات، الصراع العالمي دفاعاً عن العمال الأجانب، وأمواج الهجرة من العالم الثالث إلى الدول الصناعية..
و لعل ما سبق يوضح لزميلي علان الفرق بين اليساري الاشتراكي و الليبرالي الرأسمالي و يوضح له بشكل مجمل قناعاتي حول الموضوع.
إن المهمة تتجاوز الممارسة و الخطاب التقليديين لليسار الرسمي ، ليس المطلوب اليوم تلقين الناس مبادئ الماركسية أو التروتسكية أو الماوية و لا حتى الأناركية أو مقولات اليسار الجديد أو حركات مناهضة العولمة و تحويلهم بالتالي إلى “أتباع مخلصين” و مغفلين في حقيقة الأمر للقيادات اليسارية “المتفوقة” التي يفترض الخطاب التقليدي تفويضها بمجمل المشروع الثوري لإعادة بناء العالم ، إن المطلوب هو أن نشجع الناس العاديين على التحدث ببساطة و عفوية ، لا مشكلة ، لكن بشكل مستقل و دون تابوهات أو أفكار أو تصورات مسبقة أو إجبارهم على الإنصات إلى مونولوج النخب و القوى المسيطرة أي من دون القمع النخبوي و من دون قمع القوى المهيمنة لحراكها الخاص المستقل ، هو أن نشجع الناس على التفكير المستقل و وضع خطط عمل لنشاط مستقل يكونون هم أساسه و مركزه و منظريه و منفذيه ، و خطط لمؤسسات تنبعث منهم لا أن تفرض عليهم مخططات القوى المسيطرة و النخب و المؤسسات التي تحمي سلطة هذه النخب أو هيمنتها كشكل وحيد للعمل و للحياة..

ليست القضية في الانتقال من شمولية الستالينية أو التنظيم الكلي للماركسية أو الشكل التسلطي المسمى بالديمقراطية المركزية اللينينية إلى عفوية مطلقة تقدس الجماهير مكان قدسية الإيديولوجيا كما كان يفعل اليسار الرسمي حتى اليوم ، فالفكر الثوري سيبقى حاضرا بشكل أساسي لكن ليس كنصوص مقدسة يجب حفظها و ترديدها من قبل الكوادر على نحو غبي و متكلف ، و تلقينها للجماهير بشكل ديني صوفي ، كزيت مقدس ضروري لعمل هؤلاء الكهنة الحمر البديل الستاليني عن كهنة آلهة السماء و الأرض ، إن المطلوب هو تفاعل حقيقي بين الفكر و الحياة ، فالفكر اليساري أو التقدمي أو الباحث عن “الحقيقة” و خاصة عن الحرية الإنسانية إن شئتم في حالة أزمة و ليس في حالة يستطيع فيها أي كان أن يدعي امتلاكه لهذه الحقيقة المطلقة ، نعم ، المطلوب هو التخلي عن تقديس النصوص إلى تقديس الحياة نفسها متمثلة في وجود الناس ، الفقراء ، البسطاء ، المبدعين ، الصعاليك ، الباحثين عن معنى لحياتهم ، الباحثين عن الحرية ، الرافضين للاستبداد و للطغيان ، في الوجود الإنساني و بحثه الدائم عن الحرية و الكرامة الإنسانيتين و في تحديه للسائد سواء السلطوي أو الشعبوي نحو آفاق جديدة من الحرية و المساواة و العدالة..
هذا ما أحلم به و أطمح إليه..

أجد نفسي دوماً على  مفترق طرق و هذه طبيعة الحياة لكن لم أعد أستطيع الحكم بالصواب أو الخطأ على الأمور بنفس القطعية التي كانت لدي سابقاً…

ربما تكون هذه ضريبة الحيادية و محاولة رؤية الأمور من جميع الزوايا قبل إصدار  حكم ما.. سحقاً للحيادية إذا كان هذا مآلها!!

هل هي دعوة للأدلجة إذاً؟

على الأغلب نعم.. فالإنسان المؤدلج بالمفهوم الفكري أو العقائدي بالمفهوم الديني هو شخص موقفه محدد من كل ما حوله و من حوله , و هو يعتقد اعتقاداً راسخاً لا يتزعزع بصحة ما هو عليه…هنا و فقط هنا يشعر الإنسان بالقوة و بأنه متوازن ..

ليس حيادياً ؟ صحيح إنه ليس كذلك

يعرف طريقه؟ صحيح هو كذلك

و الثانية تعنيني في هذه المرحلة من حياتي أكثر من الأولى فالحيادية بحد ذاتها لم تعد هدفاً بالنسبة لي…

كثيرون هم الذين حاولوا اختصار غيفارا بلحية و بيريه و سيجار كوبي و شعر مسترسل..و لهؤلاء أقول : ما عرفتم من الرجل إلا القشور ,لم تقرؤوا فكره , مذكراته , سيرة حياته , كلماته…كم أشعر بالضيق حين أرى أحدهم و فاتورة موبايله الشهرية كافية لإعالة أسرة فقيرة و هو يضع صورتك بلا حياء و لا خجل..أو أرى أخرى ترتديك كنزة حمراء بينما تنفق على مستحضرات التجميل آلافاُ مؤلفة…لم يعرفوك..و عرفتك…

[ موضوع متواضع عن الدولة المدنية في الإسلام مستند لنصوص قرآنية و نبوية و أدبيات حركات و بعض المفكرين الإسلاميين غير التقليديين , و هو اجتهاد شخصي فإن أخطأت فلي أجر و إن أصبت فلي أجران و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم]
(( نشرته سابقاً بعنوان مشابه في أكثر من منتدى..))
– إن مسميات [دولة علمانية] و [ دولة إسلامية] هي مسميات لن توصل النقاش لأي نتيجة و سيبقى النقاش عقيماً فهذه العناوين تطرح منذ عشرات السنين و لا جديد.
سأتحدث هنا عن الدولة المدنية و أثبت عدم تعارضها مع جوهر الدين الإسلامي.

((الخلق كلهم عيال الله و أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله)) حديث شريف.
((كلكم لآدم و آدم من تراب)) حديث شريف.

لنحاول فهم ما سبق بدون أحكام مسبقة أو آراء فقهية عفا عليها الزمن.
هذه النصوص تكرس مبدأً أساسياً من مبادئ الدولة المدنية هو : مبدأ المواطنة.
فجميع أبناء الدولة على اختلاف أديانهم و أفكارهم و اعتقاداتهم هم أولاً و أخيراً
مواطنون متساوون في الحقوق و الواجبات و أمام القانون , فلا يجب أن يكون هناك مواطن درجة أولى و مواطنون درجة ثانية و ثالثة و…
كل أبناء الطوائف و الأحزاب هم شركاؤنا في هذا الوطن [ لهم ما لنا و عليهم ما علينا]
و هذا ما يقبله العقل السليم و الفطرة السليمة التي لم تبرمج عقليات أبنائها على :
[ شعب الله المختار] , [ أبناء الله و أحباؤه], [ خير أمة أخرجت للناس].

((و أمرهم شورى بينهم)) آية قرآنية.
((و شاورهم في الأمر)) آية قرآنية.

كذلك بتجاوز الفهم الفقهي المسيس في زمن بني أمية و من جاء بعدهم أن الشورى معلمة و ليست ملزمة , فإن هذه النصوص تكريس لمبدأ ثان من مبادئ
الدولة المدنية : الديمقراطية.
فلكل مواطن حرية التعبير عن رأيه مهما كان هذا الرأي , و هكذا تتكون الأحزاب و ينشأ الحراك السياسي الفعال من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

((لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي)) آية قرآنية.
يكرس هذا النص مبدأً ثالثاً من مبادئ الدولة المدنية هو مبدأ حرية العقيدة.
يقول الشيخ المستنير و داعية اللاعنف جودت سعيد :
(( ( لا إكراه في الدين )
والآن نريد أن نوضح أن كلمة لا إكراه في الدين هي الرشد ، وأن الإكراه في الدين هو الغي ، فالجملة الثانية شرح وبيان للجملة الأولى ، فجملة ( لا إكراه في الدين ) بها تبين الرشد من الغي ، فالإكراه هو الغي ، واللاإكراه هو الرشد ، وكذلك الجملة الثالثة تفسير وبيان للجملتين السابقتين . ( فَمَنْ يكفُرْ بالطّاغوتِ ) الذي هو الإكراه ، ومن يفرض دينه بالإكراه ، ومن يؤمن بالله الذي يقرر أنه لا إكراه في دينه وفي الدين كلياً ، فمن التزم هذا فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها .
وهنا نكون قد وصلنا إلى فكرة كبيرة جوهرية ، هي أن الدين لا يجوز نشره بالقوة والإكراه والدين هو تفسير الكون ، أي الوجود كله بما فيه الإنسان . وعلاقة الإنسان بالوجود وبالناس الآخرين هي المبدأ والمنتهى)) [من كتاب الدين و القرآن].

((أنتم أعلم بشؤون دنياكم)) حديث نبوي : حديث تأبير النخل , و قصته معروفة.
((تغير الأحكام بتغير الأزمان)) قاعدة فقهية.
((حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله)) قاعدة فقهية.

تكرس هذه القواعد مبدأً رابعاً من مبادئ الدولة المدنية هو : مرونة التشريعات و القوانين و تطورها مع الزمان و المكان.

يقول المفكر الإسلامي المستنير د- محمد شحرور في إحدى مقالاته : ((التاريخ الاسلامي ولا سيما القرن الاول منه , أي مرحلة تأسيس الدولة , هو تاريخ سياسي , والاسلام الذي سيطر على الفقه هو اسلام سياسي , لذلك يعتقد العلمانيون أن الاسلام معاد للعلمانية .اذا اخذت منهجي الذي اطرحه انا ,ترى ان كل الاجراءات التي قام بها النبي (ص) من عسكرية و تنظيمية و قضائية و سياسية , وكل ما يتعلق بتنظيم المجتمع ,هذه كلها ليست شرعا اسلاميا ولا يقاس عليها ,هي فقط اجراءات لبناء الدولة و بالتالي هو قام بها من باب النبوة و ليس من باب الرسالة , ونحن ملزمون بطاعة محمد الرسول لا طاعة محمد النبي , فقد قال تعالى (واطيعوا الله و الرسول ) . (ال عمران _132) .
أما بالنسبة للمراحل التي يجب على العقل الاسلامي اجتيازها حتى يكتسب الوسائل الملائمة في حل القضايا العالمية التي يطرحها الواقع باستمرار, فأول ما يجب على العقل الاسلامي فعله هو التفريق و الفصل بين النبوة و الرسالة , بمعنى ان كل الاجراءات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و القضائية و العسكرية من حرب و صلح , قام بها محمد بن عبد الله بنفسه فهي ليست شرعا اسلاميا و لا يقاس عليها لانه قام بها من باب النبوة , لا من باب الرسالة , فمحمد (ص) كان مجتهدا في مقام النبوة معصوما في مقام الرسالة , ولو كان معصوما في مقام النبوة لما كان الله تعالى قال (لقد تاب الله على النبي و المهاجرين و الانصار) (التوبة_119) ,
استطيع ان اسألك لماذا قال الله تعالى : انه تاب على النبي ولم يقل على الرسول ؟
ما اريد قوله ان ما قام به النبي في مقام النبوة ,ما زلنا نعده شرعا اسلاميا أبديا و نقيس عليه وهذا غير صحيح وان لم تحل مشكلة الفصل بين السنة النبوية و السنة الرسولية فلن نصل الى نتيجة .
أولا : تقسم السنة الى قسمين , نبوية و رسولية , النبوية هي كل ما ذكرته في الجواب السابق , وكما قلت السنة النبوية غير ملزمة لاحد حتى ولو صحت , و مخطيء من يعتقد ان مشكلتنا في السنة النبوية ان كان قد قال ام لم يقل ,لا,قد قال وقد فعل …
اما السنة الرسولية فهي ملزمة لي , وهي العمل الذي قام به محمد ابن عبد الله اول مرة , لم يسبقه اليه احد , كصلاة العصر , مثلا , اذ هو اول من صلى العصر , هذه نأخذها منه , اما ان تقول لي انه كان يأكل بيده اليمنى , أقول لك خيرا ان شاء الله وغيره اكل بيده اليمنى من قبله و من بعده , هذا الكلام الذي ذكرته لك قلته امام فقهاء و علماء في النبطية بلبنان .
و بالتالي اصبح القياس على اعمال الصحابة اذ إن اعمال الصحابة عدوها شرعا اسلاميا , مثلا, اذا اوصى رئيس الجمهورية لخلف له , فيقيسون على ان ابا بكر وصى لعمر و يعدون ذلك شرعا اسلاميا و يباركونه , واليك هذه الحادثة : المطعم بن عدي اجار الرسول بعد رجوعه من الطائف ,وكان ابو طالب متوفي , فطلب الرسول اجارته فأجاره و هو مشرك و مات مشركا, هذه الحادثة قيس عليها تحليل دخول الامريكان الى السعودية .))
و يتحدث في مقالة أخرى عن الدولة المدنية _محور حديثنا_فيقول :
((فالدولة المدنية بما أنها ضمن حدود الله، فالتشريعات تصدر باسم الناس لا باسم الله، لأن التشريع الإسلامي تشريع مدني إنساني ضمن حدود الله، فالدولة المدنية ليست ظل الله في الأرض ولا تمثل الله وهي لا تملك تفويضا من الله، أما بالنسبة للفقهاء فالإمام ابن القيم الجوزية يقول: “الفقيه يوقع عن الله” وهذا لا يتفق مع الدولة المدنية ، والشاطبي يقول: “إن المفتي هو قائم مقام عن الرسول”، في الدولة المدنية إذا وافقنا على هذا الشيء فنحن نوافق عليه في الشعائر فقط ما عدا ذلك لا.
الدولة المدنية لا تقود الناس بالقوة إلى الجنة ولا تمنع الناس بالقوة عن النار فهذا ليس من مهماتها، وأعتقد أنه آن الأوان لنفتح الباب على هذا الموضوع، ليس مهمة الدولة أن تسوق الناس إلى الجنة.

ويتابع شحرور: الدولة المدنية إذا كانت إسلامية بشكل صحيح وبها الروح الإسلامية، فإنها لا تتعدى على حاكمية الله، وحاكمية الله لا تظهر إلا في خمسة بنود: الأول: الله لا يشرك في حكمه أحدا يقول تعالى: (ولا يشرك في حكمه أحدا) والدولة المدنية تشرك في حكمها أحدا. ومن لا يشرك في حكمه أحدا أو السلطة التي لا تشرك في حكمها أحدا فقد تعدت على الله في حاكميته.

ثانيا: الله لا يخضع للمساءلة، يقول تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) الدولة المدنية تخضع للمساءلة، وكل من لا يخضع للمساءلة فهو يتعدى على الله في حاكميته.

ثالثا: الله سبحانه وتعالى فعال لما يريد، وكل مسؤول يظن أنه فعال لما يريد فقد تعدى على الله في حاكميته.

رابعا: لله مقام الألوهية، والألوهية هي الطاعة المطلقة، وكل من يطلب الطاعة المطلقة حتى الدولة فقد تعدى على الله في ألوهيته.

خامسا: الله رب العالمين والربوبية تعني أنه مالك الناس ومالك الكون وكل من يعتقد أن يملك رقاب الناس والعباد والأرض فقد تعدى على الله في ربوبيته. هذه هي البنود الخمسة التي إذا كانت غير موجودة في الدولة المدنية فهي إذا دولة سليمة، لأنها تعلم تماما أن هناك عقدا وأن الناس يعلمون من يحاسبون. وهكذا الدولة المدنية هي تشريع مدني إنساني ضمن حدود الله والشعائر مفهومة ولا علاقة لها بالدولة وكما قلت فالرسول عليه الصلاة والسلام قام بفصلها، وبالنسبة للقيم، فالملحدون لا يصوتون على القيم كبر الوالدين وشهادة الزور وقتل النفس، لأن كل أهل الأرض موافقون عليها وهي الجانب الإنساني الموجود عند الجميع وليس عندنا فقط.

ويبقى لدينا الشرائع فالشرائع هي حدودية ولهذا السبب كانت صلاحية الشريعة المحمدية إلى أن تقوم الساعة، ولو كانت شريعة عينية لما كانت تصلح.

معنى ذلك أنه يمكنك أن تتحرك دائما ولكن ضمن هذه الحدود التي وضعها الله سبحانه وتعالى، ولو خرجت بمليون احتمال هنا، لا الفقيه ولا علم القياس يمكن أن يحدد لك حركتك وإنما وضعك، لذلك فالانتخابات ضرورية، والعقد بين الدولة والمجتمع ضروري، وكذلك تحديد مسؤوليات الدولة ومسؤوليات المجتمع. أخيرا الدولة المدنية يمكنها حل كل شيء وهي إسلامية بحتة 100%.))

نادراً ما وجدت من يتفق معي في الطرح القائل أن الدولة المدنية لا تتنافى أبداً مع الدين الإسلامي .
المشكلة أن من يفكرون بهذه الطريقة قلة , و المشكلة أيضاً أن طرفي النزاع التقليدي :
الإسلاميين الأصوليين و العلمانيين المتشددين ينظرون لهذا الطرح بعيون الشك و الريبة.
الإسلامي الأصولي يقول : هذا تفريغ للدين من محتواه و أنتم تفسدون من حيث أنكم تعتقدون أنفسكم مصلحين و تنويريين.
و العلماني المتشدد يقول : لا يوجد إسلام معتدل , و أنتم بهذا الطرح تحاولون طمأنتنا و خداعنا كذئاب ترتدي ثوب الحملان لغاية في نفسها.
و كأني بطرفي الصراع التاريخي الذين لم يتفقوا على شئ في حياتهم , اتفقوا على رفض أي طرح إسلامي مستنير و التشكيك فيه.
أعود لإكمال الموضوع و هذه المرة حديثنا عن المرأة في ظل نظام إسلامي مدني.

((و لقد كرمنا بني آدم)) خطاب قرآني يشمل الذكر و الأنثى.
((النساء شقائق الرجال)) حديث نبوي و كان شعاراً لدار الفكر مدة عام.

لقد كرس الفهم المغلوط للدين الإسلامي دونية المرأة , فهي الضلع الأعوج و ناقصة العقل و الدين.
رغم أن الفهم المنطقي له يختلف عن الفهم المعتاد و المتداول بقصد إذلال المرأة و تصغيرها.
ناقصات عقل : عقل يعقل أي بمعنى الربط و العقد , فالمعنى هنا هو أن المرأة أقل حزماً و شدة من الرجل , و هذا صحيح بالتجربة فمنذ كنت طفلاً كنت حين أخطئ أجد أمي أكثر مرونة من أبي و أكثر تقبلاً لأعذاري منه.
أما نقص الدين فعدم قدرتها على الصلاة و الصيام في أيام معدودة من كل شهر لظروفها الفزيولوجية البحتة.

إننا لو تمعنا في : النساء شقائق الرجال , لوجدنا أنه يكرس مبدأ هاماً من مبادئ الدولة المدنية : المرأة ليست فقط مساوية للرجل بل يجب مراعاتها أكثر منه, فهو ليس مبدأ المساواة الغربي بل أرقى منه ,
المرأة مساوية للرجل لأنه ما أكرمهن إلا كريم و ما أهانهن إلا لئيم. فلا يجب تحميل المرأة أعباء لا تطاق كالعمل في المناجم مثلاً..و لكن لا يتخذ ذلك حجة كما يفعل البعض لإزاحتها من كثير من الأعمال بحجة ضعفها الجسدي و المبررات المعتادة فالمرأة على عهد الرسول كانت تركب الخيل و تقاتل و نسيبة المازنية خير مثال إذ قال عنها الرسول : ما التفتت يميناً و لا شمالاً إلا رأيتها تقاتل دوني.
كانت تركب الخيل..فلينظر إلى التاريخ المتنطعون الذين يحرمون عليها قيادة السيارة !!

الفهم الأعوج للدين يجعل المرأة عورة , و شيطاناً تقوده غريزته فيحرم عليها الدخول على النيت بدون محرم!! كما أفتى أحدهم…
عطلنا نصف المجتمع مئات السنين بمقولة : المرأة من بيتها لبيت جوزها للقبر..
بينما في ظل نظام مدني إسلامي مستنير ستكون الحسبة كالتالي:
تعمل المرأة نصف وقت عمل الرجل و تقبض نفس راتبه لأنها ترعى شؤون بيتها إضافة لعملها خارجه ..
التعدد: الزواج عقد و العقد شريعة المتعاقدين , و مما لا يعلمه الكثيرون أنه إذا اشترطت المرأة في عقد الزواج ألا يتزوج عليها ، فإن على الزوج احترام العقد وعدم الاقتران بأخرى إلا برضا الزوجة الأولى وتنازلها عن الشرط .. ففي الحديث الشريف : ( إن أحق الشروط أن توفوا ما استحللتم به الفروج ) [رواه البخاري ومسلم] .. ومعنى الحديث الواضح أن الشروط المدرجة في عقد الزواج هي أولى الشروط بالاحترام والالتزام . و هذا العقد بحسب علمي معمول به في مصر و لا أدري هل هو معتمد عندنا في سورية أم لا..
و الحديث عن المرأة يطول ..و له شجون..
و على كل فكما أسلفت ما أكتب هو موضوع متواضع و أفكار بحاجة للنقد و التصويب لأن الفكر لا ينمو و يتطور إلا بالنقد البناء …
تحياتي لكم جميعاً نساءً و رجالاً…شقيقاتي و أشقائي..

– و على فكرة , هناك من النصوص ما يجعلني أميل للاعتقاد أن الدولة المدنية استناداً للنصوص الإسلامية هي أقرب للاشتراكية ..
تأمل في نصوص من قبيل :
(الناس شركاء في ثلاث : الماء و الكلأ و النار)
(من كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له….إلى نهاية الحديث)
هذا عدا عن الوعيد الشديد تجاه من يكنزون الذهب و الفضة , و المحتكرين , و آكلي أموال الناس بالباطل..
و انظروا معي لمقولة الثائر المسلم أبي ذر الغفاري :
((عجبت لمن لا يجد في بيته قوت يومه , كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه))
..بيان ثوري قبل 1400 سنة..

و للحديث بقية..

إن السمة الرئيسية لأوطاننا هي التنوع .. تنوع الأديان و الفرق و المذاهب الفكرية و الأعراق..

سنوات أمضيتها على النت في منتديات شتى ذات توجهات متباينة , كنت طرفاً محاوراً حيناً و متابعاً للحوارات أحياناً , و أستطيع القول و بثقة أن أكثر من 99% من تلك الحوارات لم تؤد فعلياً إلى شئ يذكر..

هناك آخر مختلف.. وجوده حقيقة موضوعية لا يسعنا إنكارها , بالتالي نقف أمام خيارين :

الخيار الأول : هو أن يمارس كل طرف دوراً تبشيرياً بمعتقده الديني أو اللاديني او أياً كان , و يحاول بكل جهده تحطيم من يخالفه و إيذاء مشاعره و استفزازه و تسفيه معتقده.. و هذا النوع من الردح امتلأت به الشبكة العنكبوتية ..و هو خيار عبثي و لا طائل منه..

الخيار الثاني : هو أن يفهم كل طرف ما لديه و ما لدى الآخر , و يتعايشا سلمياً كل حسب قناعاته بشرط عدم الاعتداء..أي أن هناك حدوداً يجب الاتفاق عليها بين شتى الأطراف و الالتزام بها و معاقبة من يتجاوزها عن عمد..و هو الخيار الأسلم ..

هنا نتحدث قليلاً عن الحوار و ثقافة الحوار…

المشكلة أن بعضهم يفهم الحوار على أنه [ إفحام الآخر – إقامة الحجة على الآخر , تكسير رأس الآخر …]..
يعني ألق نظرة شاملة على المنتديات الحوارية على النت..و لنأخذ حوار : مؤمن – ملحد كمثال …
إذا كان المنتدى إلحادياً فسيتم الهجوم على المؤمن من معظم الأعضاء , و تسفيه دينه و سب أقدس ما يؤمن به بأقذع الألفاظ , و اتهامه سلفاً بان عقله مرتع للجهل و الخرافة و الأساطير..
و إذا كان المنتدى إسلامياً [ كون أغلب المنتديات الدينية إسلامية ] , فسيحدث نفس الشئ من الانقضاض على هذا الوغد المنسلخ عن أمته الجاحد لربه المنحل خلقياً و المتبع لشهواته و غرائزه…
و في نهاية المطاف يخرج العضو المخالف الذي دخل المنتدى حاملاً حقداً إضافياً على مخالفيه بعد أن يكون مصيره في معظم الحالات تجميد العضوية و من ثم الطرد مشيعاً بالسباب و الشتائم , و يفرح أعضاء المنتدى للانتصار العظيم الذي حققوه ..
و قس على ذلك منتديات الحوار الإسلامي – المسيحي , السني – الشيعي , العلماني- الإسلامي….
و فوق ما سبق تجد تلك الرياح الجافة المحملة بالغبار القادمة تحديداً من السعودية تزيد الوضع سوءاً…
طوال عمرنا في سوريا نتعايش مسلمين و مسيحيين , و يهنئ بعضنا البعض بأعياد الطرفين.. و العيد الماضي هنأني كالعادة كم كبير من أصدقائي المسيحيين و أنا بالمقابل سأهنئهم بعيد الميلاد و رأس السنة لأن إسلامي يعلمني : [ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ] , و سأرمي وراء ظهري سموم المواقع التي يرغي مشايخها و يزبدون و يحذرون و يخوفون من التهنئة بأعياد النصارى .. أين هؤلاء [ العلماء] من سيرة الرسول [ص ] مع جاره اليهودي؟؟ هو إما جهل و إما تصدير للفتنة إلى بلادنا ..
إذا لم نتعلم ثقافة الحوار فلن نتعلم فن التعايش..