Category: شعر


ولد أحمد مطر في مطلع الخمسينات، ابناً رابعاً بين عشرة أخوة من البنين والبنات، في قرية (التنومة)، إحدى نواحي (شط العرب) في البصرة. وعاش فيها مرحلة الطفولة قبل أن تنتقل أسرته، وهو في مرحلة الصبا، لتقيم عبر النهر في محلة الأصمعي

وفي سن الرابعة عشرة بدأ مطر يكتب الشعر، ولم تخرج قصائده الأولى عن نطاق الغزل والرومانسية، لكن سرعان ما تكشّفت له خفايا الصراع بين السُلطة والشعب، فألقى بنفسه، في فترة مبكرة من عمره، في دائرة النار، حيث لم تطاوعه نفسه على الصمت، ولا على ارتداء ثياب العرس في المأتم، فدخل المعترك السياسي من خلال مشاركته في الإحتفالات العامة بإلقاء قصائده من على المنصة، وكانت هذه القصائد في بداياتها طويلة، تصل إلى أكثر من مائة بيت، مشحونة بقوة عالية من التحريض، وتتمحور حول موقف المواطن من سُلطة لا تتركه ليعيش. ولم يكن لمثل هذا الموقف أن يمر بسلام، الأمر الذي اضطرالشاعر، في النهاية، إلى توديع وطنه ومرابع صباه والتوجه إلى الكويت، هارباً من مطاردة السُلطة.

وفي الكويت عمل في جريدة (القبس) محرراً ثقافياً، وكان آنذاك في منتصف العشرينات من عمره، حيث مضى يُدوّن قصائده التي أخذ نفسه بالشدّة من أجل ألاّ تتعدى موضوعاً واحداً، وإن جاءت القصيدة كلّها في بيت واحد. وراح يكتنز هذه القصائد وكأنه يدوّن يومياته في مفكرته الشخصيّة، لكنها سرعان ما أخذت طريقها إلى النشر، فكانت (القبس) الثغرة التي أخرج منها رأسه، وباركت انطلاقته الشعرية الإنتحارية، وسجّلت لافتاته دون خوف، وساهمت في نشرها بين القرّاء.

وفي رحاب (القبس) عمل الشاعر مع الفنان ناجي العلي، ليجد كلّ منهما في الآخر توافقاً نفسياً واضحاً، فقد كان كلاهما يعرف، غيباً، أن الآخر يكره ما يكره ويحب ما يحب، وكثيراً ما كانا يتوافقان في التعبير عن قضية واحدة، دون اتّفاق مسبق، إذ أن الروابط بينهما كانت تقوم على الصدق والعفوية والبراءة وحدّة الشعور بالمأساة، ورؤية الأشياء بعين مجردة صافية، بعيدة عن مزالق الإيديولوجيا.

وقد كان أحمد مطر يبدأ الجريدة بلافتته في الصفحة الأولى، وكان ناجي العلي يختمها بلوحته الكاريكاتيرية في الصفحة الأخيرة.

ومرة أخرى تكررت مأساة الشاعر، حيث أن لهجته الصادقة، وكلماته الحادة، ولافتاته الصريحة، أثارت حفيظة مختلف السلطات العربية، تماماً مثلما أثارتها ريشة ناجي العلي، الأمر الذي أدى إلى صدور قرار بنفيهما معاً من الكويت، حيث ترافق الإثنان من منفى إلى منفى. وفي لندن فَقـدَ أحمد مطر صاحبه ناجي العلي، ليظل بعده نصف ميت. وعزاؤه أن ناجي مازال معه نصف حي، لينتقم من قوى الشر بقلمه.

ومنذ عام 1986، استقر أحمد مطر في لندن، ليُمضي الأعوام الطويلة، بعيداً عن الوطن مسافة أميال وأميال،

يحمل ديوانه اسم ( اللافتات ) مرقما حسب الإصدار ( لافتات 1 ـ 2 إلخ ) ، وللشاعر شعبية كبيرة ، وقراء كثر في العالم العربي .

– عربي أنا

عربيٌّ أنا أرثـيـنـي شقّي لي قبراًً .. و اخـفـيـني
ملّت من جبني أوردتـى غصّت بالخوف شرايـيـني
ما عدت كما أمسى أسداً بل فأر مكسور العينِ
أسلمت قيا د ى كخروفٍ أفزعه نصل السكينِ
ورضيت بأن أبقى صفراً أو تحت الصفرِ بعشرينِ
ألعالم من حـو لى حرٌّ من أقصى بيرو إلى الصينِ
شارون يدنس معتقدى ويمرّغُ فـي الوحل جـبـيـني
وأميركا تدعمه جهراً وتمدُّ النار ببنزينِ
وأرانا مثلُ نعاماتٍ دفنت أعينها في الطّينِ
وشهيدٌ يتلوهُ شهيدٌ من يافا لأطراف جنينِ
وبيوتٌ تهدمُ في صلفٍ والصّمت المطبقُ يكو يني
يا عرب الخسّةِ د لونى لزعيمٍ يأخذ بيميني
فيحرّر مسجدنا الأقصى ويعيد الفرحة لسنيني

– أنا إرهابي
الغربُ يبكي خيفـةً

إذا صَنعتُ لُعبـةً

مِـن عُلبـةِ الثُقابِ .

وَهْـوَ الّذي يصنـعُ لي

مِـن جَسَـدي مِشنَقَـةً

حِبالُها أعصابـي !

والغَـربُ يرتاعُ إذا

إذعتُ ، يومـاً ، أَنّـهُ

مَـزّقَ لي جلبابـي .

وهـوَ الّذي يهيبُ بي

أنْ أستَحي مِنْ أدبـي

وأنْ أُذيـعَ فرحـتي

ومُنتهى إعجابـي ..

إنْ مارسَ اغتصـابي !

والغربُ يلتـاعُ إذا

عَبـدتُ ربّـاً واحِـداً

في هـدأةِ المِحـرابِ .

وَهْـوَ الذي يعجِـنُ لي

مِـنْ شَعَـراتِ ذيلِـهِ

ومِـنْ تُرابِ نَعلِـهِ

ألفـاً مِـنَ الأربابِ

ينصُبُهـمْ فـوقَ ذُرا

مَزابِـلِ الألقابِ

لِكي أكـونَ عَبـدَهُـمْ

وَكَـيْ أؤدّي عِنـدَهُـمْ

شعائرَ الذُبابِ !

وَهْـوَ .. وَهُـمْ

سيَضرِبونني إذا

أعلنتُ عن إضـرابي .

وإنْ ذَكَـرتُ عِنـدَهُـمْ

رائِحـةَ الأزهـارِ والأعشـابِ

سيصلبونني علـى

لائحـةِ الإرهـابِ !

**

رائعـةٌ كُلُّ فعـالِ الغربِ والأذنابِ

أمّـا أنا، فإنّني

مادامَ للحُريّـةِ انتسابي

فكُلُّ ما أفعَلُـهُ

نـوعٌ مِـنَ الإرهـابِ !

**

هُـمْ خَرّبـوا لي عالَمـي

فليحصـدوا ما زَرَعـوا

إنْ أثمَـرَتْ فـوقَ فَمـي

وفي كُريّـاتِ دمـي

عَـولَمـةُ الخَـرابِ

هـا أنَـذا أقولُهـا .

أكتُبُهـا .. أرسُمُهـا ..

أَطبعُهـا على جبينِ الغـرْبِ

بالقُبقـابِ :

نَعَـمْ .. أنا إرهابـي !

زلزَلـةُ الأرضِ لهـا أسبابُها

إنْ تُدرِكوهـا تُدرِكـوا أسبابي .

لـنْ أحمِـلَ الأقـلامَ

بلْ مخالِبـي !

لَنْ أشحَـذَ الأفكـارَ

بـلْ أنيابـي !

وَلـنْ أعـودَ طيّباً

حـتّى أرى

شـريعـةَ الغابِ بِكُلِّ أهلِها

عائـدةً للغابِ .

**

نَعَـمْ .. أنا إرهابـي .

أنصَـحُ كُلّ مُخْبـرٍ

ينبـحُ، بعـدَ اليـومِ، في أعقابـي

أن يرتـدي دَبّـابـةً

لأنّني .. سـوفَ أدقُّ رأسَـهُ

إنْ دَقَّ ، يومـاً، بابـي !

– ما أصعب الكلام (إلى ناجي العلي)

ِشكراً على التأبينِ والإطراءِ

يا معشرَ الخطباء والشعراءِ

شكراً على ما ضاعَ من أوقاتكم

في غمرةِ التدبيـج والإنشاءِ

وعلى مدادٍ كان يكفي بعضُـه

أن يُغرِقَ الظلماءَ بالظلماءِ

وعلى دموعٍ لو جَـرتْ في البيدِ

لانحلّـتْ وسار الماءُ فوق الماءِ

وعواطفٍ يغـدو على أعتابها

مجنونُ ليلى أعقـلَ العقلاءِ

وشجاعـةٍ باسم القتيلِ مشيرةٍ

للقاتلين بغيرِما أسمـاءِ

شكراً لكم، شكراً، وعفواً إن أنا

أقلعتُ عن صوتي وعن إصغائي

عفواً، فلا الطاووس في جلدي ولا

تعلو لساني لهجةُ الببغاءِ

عفواً، فلا تروي أساي قصيدةٌ

إن لم تكن مكتوبةً بدمائي

عفواً، فإني إن رثيتُ فإنّما

أرثي بفاتحة الرثاء رثائي

عفواً، فإني مَيِّتٌ يا أيُّها

الموتى، وناجي آخر الأحياء !

***

“ناجي العليُّ” لقد نجوتَ بقدرةٍ

من عارنا، وعلَوتَ للعلياءِ

إصعـدْ، فموطنك السّماءُ، وخلِّنا

في الأرضِ، إن الأرضَ للجبناءِ

للمُوثِقينَ على الّرباطِ رباطَنا

والصانعينَ النصرَ في صنعاءِ

مِمّن يرصّونَ الصُّكوكَ بزحفهم

ويناضلونَ برايةٍ بيضاءِ

ويُسافِحونَ قضيّةً من صُلبهم

ويُصافحونَ عداوةَ الأعداءِ

ويخلِّفون هزيمةً، لم يعترفْ

أحدٌ بها.. من كثرة الآباءِ !

إصعَـدْ فموطنك المُـرّجَى مخفرٌ

متعددُ اللهجات والأزياءِ

للشرطة الخصيان، أو للشرطة

الثوار، أو للشرطة الأدباءِ

أهلِ الكروشِ القابضين على القروشِ

من العروشِ لقتل كلِّ فدائي

الهاربين من الخنادق والبنادق

للفنادق في حِمى العُملاءِ

القافزين من اليسار إلى اليمين

إلى اليسار كقفزة الحِرباءِ

المعلنين من القصورِ قصورَنا

واللاقطين عطيّةَ اللقطاءِ

إصعدْ، فهذي الأرض بيتُ دعارةٍ

فيها البقاءُ معلّقٌ ببغاءِ

مَنْ لم يمُت بالسيفِ مات بطلقةٍ

من عاش فينا عيشة الشرفاء

ماذا يضيرك أن تُفارقَ أمّةً

ليست سوى خطأ من الأخطاءِ

رملٌ تداخلَ بعضُهُ في بعضِهِ

حتى غدا كالصخرة الصمّاءِ

لا الريحُ ترفعُها إلى الأعلى

ولا النيران تمنعها من الإغفاءِ

فمدامعٌ تبكيك لو هي أنصفتْ

لرثتْ صحافةَ أهلها الأُجراءِ

تلك التي فتحَتْ لنَعيِكَ صدرَها

وتفنّنت بروائعِ الإنشاءِ

لكنَها لم تمتلِكْ شرفاً لكي

ترضى بنشْرِ رسومك العذراءِ

ونعتك من قبل الممات، وأغلقت

بابَ الرّجاءِ بأوجُهِ القُرّاءِ

وجوامعٌ صلّت عليك لو انّها

صدقت، لقرّبتِ الجهادَ النائي

ولأعْلَنَتْ باسم الشريعة كُفرَها

بشرائع الأمراءِ والرؤساءِ

ولساءلتهم: أيُّهمْ قد جاءَ

مُنتخَباً لنا بإرادة البُسطاء ؟

ولساءلتهم: كيف قد بلغوا الغِنى

وبلادُنا تكتظُّ بالفقراء ؟

ولمنْ يَرصُّونَ السلاحَ، وحربُهمْ

حبٌ، وهم في خدمة الأعداءِ ؟

وبأيِّ أرضٍ يحكمونَ، وأرضُنا

لم يتركوا منها سوى الأسماءِ ؟

وبأيِّ شعبٍ يحكمونَ، وشعبُنا

متشعِّبٌ بالقتل والإقصاءِ

يحيا غريبَ الدارِ في أوطانهِ

ومُطارَداً بمواطنِ الغُرباء ؟

لكنّما يبقى الكلامُ مُحرّراً

إنْ دارَ فوقَ الألسنِ الخرساءِ

ويظلُّ إطلاقُ العويلِ محلّلاً

ما لم يمُسَّ بحرمة الخلفاءِ

ويظلُّ ذِكْرُكَ في الصحيفةِ جائزاً

ما دام وسْـطَ مساحةٍ سوداءِ

ويظلُّ رأسكَ عالياً ما دمتَ

فوق النعشِ محمولاً إلى الغبراءِ

وتظلُّ تحت “الزّفـتِ” كلُّ طباعنا

ما دامَ هذا النفطُ في الصحراءِ !

***

القاتلُ المأجورُ وجهٌ أسودٌ

يُخفي مئاتِ الأوجه الصفراءِ

هي أوجهٌ أعجازُها منها استحتْ

والخِزْيُ غطَاها على استحياءِ

لمثقفٍ أوراقُه رزمُ الصكوكِ

وحِبْرُهُ فيها دمُ الشهداء

ولكاتبٍ أقلامُهُ مشدودةٌ

بحبال صوت جلالةِ الأمراء

ولناقدٍ “بالنقدِ” يذبحُ ربَّهُ

ويبايعُ الشيطانَ بالإفتاءِ

ولشاعرٍ يكتظُّ من عَسَـلِ النعيمِ

على حسابِ مَرارةِ البؤساءِ

ويَجـرُّ عِصمتَه لأبواب الخَنا

ملفوفةً بقصيدةٍ عصماءِ !

ولثائرٍ يرنو إلى الحريّةِ

الحمراءِ عبرَ الليلةِ الحمراءِ

ويعومُ في “عَرَقِ” النضالِ ويحتسي

أنخابَهُ في صحَة الأشلاءِ

ويكُفُّ عن ضغط الزِّنادِ مخافةً

من عجز إصبعه لدى “الإمضاءِ” !

ولحاكمٍ إن دقَّ نورُ الوعْي

ظُلْمَتَهُ، شكا من شدَّةِ الضوضاءِ

وَسِعَتْ أساطيلَ الغُزاةِ بلادُهُ

لكنَها ضاقتْ على الآراءِ

ونفاكَ وَهْـوَ مُخَـمِّنٌ أنَّ الرَدى

بك مُحْدقُ، فالنفيُ كالإفناءِ !

الكلُّ مشتركٌ بقتلِكَ، إنّما

نابت يَدُ الجاني عن الشُّركاءِ

***

ناجي. تحجّرتِ الدموعُ بمحجري

وحشا نزيفُ النارِ لي أحشائي

لمّا هويْتَ هَويتَ مُتَّحـدَ الهوى

وهويْتُ فيك موزَّعَ الأهواءِ

لم أبكِ، لم أصمتْ، ولم أنهضْ

ولم أرقدْ، وكلّي تاهَ في أجزائي

ففجيعتي بك أنني.. تحت الثرى

روحي، ومن فوقِ الثرى أعضائي

أنا يا أنا بك ميتٌ حيٌّ

ومحترقٌ أعدُّ النارَ للإطفاءِ

برّأتُ من ذنْبِ الرِّثاء قريحتي

وعصمتُ شيطاني عن الإيحاءِ

وحلفتُ ألا أبتديك مودِّعاً

حتى أهيِّئَ موعداً للقاءِ

سأبدّلُ القلمَ الرقيقَ بخنجرٍ

والأُغنياتِ بطعنَـةٍ نجلاءِ

وأمدُّ رأسَ الحاكمينََ صحيفةً

لقصائدٍ.. سأخطُّها بحذائي

وأضمُّ صوتكَ بذرةً في خافقي

وأصمُّهم في غابة الأصداءِ

وألقِّنُ الأطفالَ أنَّ عروشَهم

زبدٌ أٌقيمَ على أساس الماءِ

وألقِّنُ الأطفالَ أن جيوشهم

قطعٌ من الديكورِ والأضواءِ

وألقِّنُ الأطفالَ أن قصورَهم

مبنيةٌ بجماجمِ الضعفاءِ

وكنوزَهم مسروقةٌ بالعدِل

واستقلالهم نوعُ من الإخصاءِ

سأظلُّ أكتُبُ في الهواءِ هجاءهم

وأعيدُهُ بعواصفٍ هوجاءِ

وليشتمِ المتلوّثونَ شتائمي

وليستروا عوراتهم بردائي

وليطلقِ المستكبرون كلابَهم

وليقطعوا عنقي بلا إبطاءِ

لو لم تَعُـدْ في العمرِ إلا ساعةٌ

لقضيتُها بشتيمةِ الخُلفاءِ !

***

أنا لستُ أهجو الحاكمينَ، وإنّما

أهجو بذكر الحاكمين هجائي

أمِنَ التأدّبِ أن أقول لقاتلي

عُذراً إذا جرحتْ يديكَ دمائي ؟

أأقولُ للكلبِ العقور تأدُّباً:

دغدِغْ بنابك يا أخي أشلائي ؟

أأقولُ للقوّاد يا صِدِّيقُ، أو

أدعو البغِيَّ بمريمِ العذراءِ ؟

أأقولُ للمأبونِ حينَ ركوعِهِ:

“حَرَماً” وأمسحُ ظهرهُ بثنائي ؟

أأقول لِلّصِ الذي يسطو على

كينونتي: شكراً على إلغائي ؟

الحاكمونَ همُ الكلابُ، مع اعتذاري

فالكلاب حفيظةٌ لوفاءِ

وهمُ اللصوصُ القاتلونَ العاهرونَ

وكلُّهم عبدٌ بلا استثناء !

إنْ لمْ يكونوا ظالمين فمن تُرى

ملأ البلادَ برهبةٍ وشقاء ِ؟

إنْ لم يكونوا خائنين فكيف

ما زالتْ فلسطينٌ لدى الأعداءِ ؟

عشرون عاماً والبلادُ رهينةٌ

للمخبرينَ وحضرةِ الخبراءِ

عشرون عاماً والشعوبُ تفيقُ مِنْ

غفواتها لتُصابَ بالإغماءِ

عشرون عاماً والمفكِّرُ إنْ حكى

وجبت لهُ طاقيةُ الإخفاءِ

عشرون عاماً والسجون مدارسٌ

منهاجها التنكيلُ بالسجناءِ

عشرون عاماً والقضاءُ مُنَزَّهٌ

إلا عن الأغراض والأهواءِ

فالدينُ معتقلٌ بتُهمةِ كونِهِ

مُتطرِّفاً يدعو إلى الضَّراءِ

واللهُ في كلِّ البلادِ مُطاردٌ

لضلوعهِ بإثارةِ الغوغاءِ

عشرون عاماً والنظامُ هو النظامُ

مع اختلاف اللونِ والأسماءِ

تمضي به وتعيدُهُ دبّابةٌ

تستبدلُ العملاءَ بالعملاءِ

سرقوا حليب صِغارنا، مِنْ أجلِ مَنْ ؟

كي يستعيدوا موطِنَ الإسراءِ

فتكوا بخير رجالنا، مِنْ أجلِ مَن ْ؟

كي يستعيدوا موطِنَ الإسراءِ

هتكوا حياء نسائنا، مِنْ أجلِ مَنْ ؟

كي يستعيدوا موطِنَ الإسراءِ

خنقوا بحريّاتهم أنفاسَنا

كي يستعيدوا موطِنَ الإسراءِ

وصلوا بوحدتهم إلى تجزيئنا

كي يستعيدوا موطِنَ الإسراءِ

فتحوا لأمريكا عفافَ خليجنا

كي يستعيدوا موطِنَ الإسراءِ

وإذا بما قد عاد من أسلابنا

رملٌ تناثر في ثرى سيناء !

وإذا بنا مِزَقٌ بساحات الوغى

وبواسلٌ بوسائل الأنباءِ

وإذا بنا نرثُ مُضاعَفاً

ونُوَرِّثُ الضعفينِ للأبناءِ

ونخافُ أن نشكو وضاعةَ وضعنا

حتى ولو بالصمت والإيماءِ

ونخافُ من أولادِنا ونسائنا

ومن الهواءِ إذا أتى بهواءِ

ونخافُ إن بدأت لدينا ثورةٌ

مِن أن تكونَ بداية الإنهاءِ

موتى، ولا أحدٌ هنا يرثي لنا

قُمْ وارثنا.. يا آخِـرَ الأحياءِ !

Advertisements

كان حسن المرواني شابا من اهالي الزعفرانيه وهي منطقه من مناطق بغداد وكان هذا الشاب شابا رزنا
خلوق ومن اسره فقيره
ودخل الى كليه الاداب جامعه بغداد فتعلق قلبه بالفتاة الكركوكيه اي
اي من مدينه كركوك وتدعى ( سندس ) واما اسم ليلى فهو اسم الكنيه عن الحبيبه في الشعر العربي
وتقدم لمصارحتها بحبه لكنها صدته وما كان منه الا وعاود الكره معها بعد عامين و عادت وصدته فتفجر شاعريه و كلام لم يرتقي له اي كلام في هذا العصر ومن محب جريح وبعد ان خطبت الفتاة لشخص غني منتسب الى نفس الكليه قالها حسن المرواني والقاها مكسر القلب فائض الشاعريه في احدى قاعات كليه الاداب

اما عن كيفيه حصول كاظم على القصيده
في فتره الثمانينات كانت تصدر جريده شبابيه الاكثر انتشارا في الوسط الشبابي في العراق وكانت متميزه في كل شيء وكانت من ضمن صفحات هذه الجريده صفحه للمساهمات الشعريه وفي احد الاعداد تضمنت هذه القصيده فوقعت العين الساهريه على هذه
الكلمات الرائعه فأخذ بالبحث ولكثره مدعين كتابتها لجأ الملك الساهر
الى طريقه اكمل القصيده وكل من ادعى كتابتها لم يستطع اكمالها حتى وصل الى كاتبها الحقيقي وهو الشاعر المبدع ( حسن المرواني)
والذي ساعد كاظم بالوصول الى الشاعر الحقيقي هو ابن خاله الشاعر
وكان الشاعر حينها يعمل في مجال التدريس في ليبيا …..

أنا و ليلى

دع عنك لومي واعزف عن ملاماتي

اني هويت سريعا من معاناتي

ديني الغرام ودار العشق مملكتي

قيس انا وكتاب العشق توراتي

ما حرم الله حبا في شريعته

بل بارك الله احلامي البريئات

انا لمن طينه والله اودعها

روحا ترف بها روح المناجاة

دع العقاب ولا تعذل بفاتنه

ما كان قلبي نحيت في حجارات

اني بغير الهوى اخشاب يابسه

اني بغير الهوى اشباه اموات

يا للتعاسه من دعوى مدينتنا

فيها يعد الهوى كبر الخطيئات

نبض القلوب مورق عند قداستها

تسمع احاديث الخرافات

عباره علقت في كل منعطف

اعوذ بالله من تلك الحماقات

عشق البنات حرام في مدينتنا

عشق البنات طريق للغوايات

اياك ان تلتقي يوما بأمرأه

اياك اياك ان تغزي الحبيبات

ان الصبابه عار في مدينتنا

فكيف لو كان حبي للاميرات

سمراء ما حزني عمر ابدده

ولكن عاشقا والحب مأساة

الصبح الى الازهار قبلته

والعلقم المر قد امسى بكاساتي

يا قبله الحب يا من حيث انشدها

شعرا لعل الهوى يشفي جراحاتي

دوت ازهر الروح وهي يابسه

ماتت اغاني الهوى ماتت حكاياتي

ماتت بمحراب عينيك ابتهالاتي

واستسلمت لرياح اليأس راياتي

جفت على بابك الموصود ازمنتي

وما اثمرت شيئا ندائاتي

انا الذي ضاع لي عامان من عمري

وباركت وهمي وصدقت افتراضاتي

عامان ما رق لي لحن على وتر

ولا استفاقت على نور سماواتي

اعتق الحب في قلبي واعصره

فأرشف الهم في مغبر كاساتي

واودع الورد اتعابي وازرعه

فيورق الشوك وينمو في حشاشاتي

لو صافح الظل اوراقي الحزينات

ما مضر لو ان منك جاء شيئا

تحقد تنتفض الامي المريرات

سنين تسع مضت والاحزان تسحقني

ومت حتى تناستني حبابات

تسع على مركب الاشواق في سفر

والريح تعصف في عنف شراعات

طال انتظاري متى كركوك تفتح لي

دربا اليها فأطفأ نار اهات

متى سأجر الى كركوك قافلتي؟

متى ترفرف يا عشاق راياتي؟

غدا سأذبح احزاني وادفنها

غدا سأطلق انغامي الضحوكات

ولكن ولكن للعشاق قاتلتي

اذ اعقب فرحتي شلال حيراتي

فعدت احمل نعش الحب مكتئبا

امضي البوادي واسفاري قصيرات

ممزق انا لا جاه ولا ترف

يغريك في فخليني لأهاتي

لو تعصرين سنين العمر اكملها

لسال منها نزيف من جراحاتي

كل القناديل عذب نورها وان تظل

تشكو نضوب الزيت مشكاتي

لو كنت ذا ترف ما كنت رافضه

حبي ولكن عسر الحال مأساتي

فليمضغ اليأس امالي التي يبست

وليغرق الموج يا ليلى بضاعاتي

عانيت لا حزني ابوح به

ولست تدرين شيئا عن معاناتي

امشي واضحك يا ليلى مكابرة

علي اخبي عن الناس احتضاراتي

لا الناس تعرف ما خطبي فتعذرني

ولا سبيل لديهم في مواساتي

لاموا افتتاني بزرقاء العيون ولو

رأوا جمال عينيك ما لاموا افتتاني

لو لو يكن اجمل الالوان ازرقها

ما اخناره الله لونا للسماوات

يرسوا بجفني حرمان يمص دمي

ويستبيح اذا شاء ابتساماتي

عندي احاديث حزن كيف ابوح بها؟!!!

تضيق ذرعا بي او في عباراتي

ينز من صرختي الذل فسأله

لمن ابت ؟ تباريج المريضات

معذوره انت ان اجهضت لي املي

لا الذنب ذنبك بل كانت حماقاتي

اضعت في عرض الصحراء قافلتي

فمضيت ابحث في عينيك عن ذاتي

وجئت احضانك الخضراء منتشيا

كالطفل احمل احلامي البريئات

اتيت احمل في كفي اغنيه

اصبرها كلما طالت مسافاتي

حتى اذا انبلجت عيناك في الافق

وطرز الفجر ايامي الكئيبات

غرست كفك تجتثين اوردتي

وما ابحرت منها شراعاتي

نفيت واستوطن الاغراب في بلدي

ومزقوا كل اشيائي الحبيبات

خانتك عيناك في زيف وفي كذب

ام غرك البهرج الخداع مولاتي

توغلي يا رماح الحقد في جسدي

ومزقي ما تبقى من حشاشاتي

فراشه جئت القي كحل اجنحتي

لديك فأحترقت ظلما جناحاتي

اصيح والسيف مزروع في خاصرتي

وتسحقين بلا رفق مسراتي

والقدر حطم امالي العريضات

هل ينمحي طيفك السحري من خلدي؟

وهل سشرق عن صبح وجناتي

ها انت ايضا كيف السبيل الى اهلي

ودونهم قفر المنارات

كتبت في كوكب المريخ لافته

اشكو بها الطائر المحزون اهاتي

وانت ايضا الا تبت يداك

اذا اثرتي قتلي واستعذبتي اناتي

من لي بحذف اسمك الشفاف من لغتي

اذ ا ستمسي بلا ليلى حكاياتي

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ ،

أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر .

عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ

وترقص الأضواء … كالأقمار في نهَرْ

يرجّه المجذاف وهْناً ساعة السَّحَر

كأنما تنبض في غوريهما ، النّجومْ …

وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيفْ

كالبحر سرَّح اليدين فوقه المساء ،

دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف ،

والموت ، والميلاد ، والظلام ، والضياء ؛

فتستفيق ملء روحي ، رعشة البكاء

ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانق السماء

كنشوة الطفل إِذا خاف من القمر !

كأن أقواس السحاب تشرب الغيومْ

وقطرةً فقطرةً تذوب في المطر …

وكركر الأطفالُ في عرائش الكروم ،

ودغدغت صمت العصافير على الشجر

أنشودةُ المطر …

مطر …

مطر …

مطر …

تثاءب المساء ، والغيومُ ما تزالْ

تسحُّ ما تسحّ من دموعها الثقالْ .

كأنِّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينام :

بأنَّ أمّه – التي أفاق منذ عامْ

فلم يجدها ، ثمَّ حين لجّ في السؤال

قالوا له : “بعد غدٍ تعودْ .. ”

لا بدَّ أن تعودْ

وإِنْ تهامس الرفاق أنهَّا هناكْ

في جانب التلّ تنام نومة اللّحودْ

تسفّ من ترابها وتشرب المطر ؛

كأن صياداً حزيناً يجمع الشِّباك

ويلعن المياه والقَدَر

وينثر الغناء حيث يأفل القمرْ .

مطر ..

مطر ..

أتعلمين أيَّ حُزْنٍ يبعث المطر ؟

وكيف تنشج المزاريب إِذا انهمر ؟

وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع ؟

بلا انتهاء – كالدَّم المراق ، كالجياع ،

كالحبّ ، كالأطفال ، كالموتى – هو المطر !

ومقلتاك بي تطيفان مع المطر

وعبر أمواج الخليج تمسح البروقْ

سواحلَ العراق بالنجوم والمحار ،

كأنها تهمّ بالشروق

فيسحب الليل عليها من دمٍ دثارْ .

أَصيح بالخليج : ” يا خليجْ

يا واهب اللؤلؤ ، والمحار ، والرّدى ! ”

فيرجعُ الصّدى

كأنّه النشيجْ :

” يا خليج

يا واهب المحار والردى .. ”

أكاد أسمع العراق يذْخرُ الرعودْ

ويخزن البروق في السّهول والجبالْ ،

حتى إِذا ما فضَّ عنها ختمها الرّجالْ

لم تترك الرياح من ثمودْ

في الوادِ من أثرْ .

أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر

وأسمع القرى تئنّ ، والمهاجرين

يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع ،

عواصف الخليج ، والرعود ، منشدين :

” مطر …

مطر …

مطر …

وفي العراق جوعْ

وينثر الغلالَ فيه موسم الحصادْ

لتشبع الغربان والجراد

وتطحن الشّوان والحجر

رحىً تدور في الحقول … حولها بشرْ

مطر …

مطر …

مطر …

وكم ذرفنا ليلة الرحيل ، من دموعْ

ثم اعتللنا – خوف أن نلامَ – بالمطر …

مطر …

مطر …

ومنذ أنْ كنَّا صغاراً ، كانت السماء

تغيمُ في الشتاء

ويهطل المطر ،

وكلَّ عام – حين يعشب الثرى – نجوعْ

ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ .

مطر …

مطر …

مطر …

في كل قطرة من المطر

حمراءُ أو صفراء من أجنَّة الزَّهَرْ .

وكلّ دمعةٍ من الجياع والعراة

وكلّ قطرة تراق من دم العبيدْ

فهي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديد

أو حُلمةٌ تورَّدتْ على فم الوليدْ

في عالم الغد الفتيّ ، واهب الحياة !

مطر …

مطر …

مطر …

سيُعشبُ العراق بالمطر … ”

أصيح بالخليج : ” يا خليج ..

يا واهب اللؤلؤ ، والمحار ، والردى ! ”

فيرجع الصدى

كأنَّه النشيج :

” يا خليج

يا واهب المحار والردى . ”

وينثر الخليج من هِباته الكثارْ ،

على الرمال ، : رغوه الأُجاجَ ، والمحار

وما تبقّى من عظام بائسٍ غريق

من المهاجرين ظلّ يشرب الردى

من لجَّة الخليج والقرار ،

وفي العراق ألف أفعى تشرب الرَّحيقْ

من زهرة يربُّها الفرات بالنَّدى .

وأسمع الصدى

يرنّ في الخليج

” مطر ..

مطر ..

مطر ..

في كلّ قطرة من المطرْ

حمراء أو صفراء من أجنَّةِ الزَّهَرْ .

وكلّ دمعة من الجياع والعراة

وكلّ قطرةٍ تراق من دم العبيدْ

فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديد

أو حُلمةٌ تورَّدت على فم الوليدْ

في عالم الغد الفتيّ ، واهب الحياة . ”

ويهطل المطرْ ..

(1 )

لا تصالحْ!

..ولو منحوك الذهب

أترى حين أفقأ عينيك

ثم أثبت جوهرتين مكانهما..

هل ترى..؟

هي أشياء لا تشترى..:

ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،

حسُّكما – فجأةً – بالرجولةِ،

هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،

الصمتُ – مبتسمين – لتأنيب أمكما..

وكأنكما

ما تزالان طفلين!

تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:

أنَّ سيفانِ سيفَكَ..

صوتانِ صوتَكَ

أنك إن متَّ:

للبيت ربٌّ

وللطفل أبْ

هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟

أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..

تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟

إنها الحربُ!

قد تثقل القلبَ..

لكن خلفك عار العرب

لا تصالحْ..

ولا تتوخَّ الهرب!

(2)

لا تصالح على الدم.. حتى بدم!

لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ

أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟

أقلب الغريب كقلب أخيك؟!

أعيناه عينا أخيك؟!

وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك

بيدٍ سيفها أثْكَلك؟

سيقولون:

جئناك كي تحقن الدم..

جئناك. كن -يا أمير- الحكم

سيقولون:

ها نحن أبناء عم.

قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك

واغرس السيفَ في جبهة الصحراء

إلى أن يجيب العدم

إنني كنت لك

فارسًا،

وأخًا،

وأبًا،

ومَلِك!

(3)

لا تصالح ..

ولو حرمتك الرقاد

صرخاتُ الندامة

وتذكَّر..

(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)

أن بنتَ أخيك “اليمامة”

زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا-

بثياب الحداد

كنتُ، إن عدتُ:

تعدو على دَرَجِ القصر،

تمسك ساقيَّ عند نزولي..

فأرفعها -وهي ضاحكةٌ-

فوق ظهر الجواد

ها هي الآن.. صامتةٌ

حرمتها يدُ الغدر:

من كلمات أبيها،

ارتداءِ الثياب الجديدةِ

من أن يكون لها -ذات يوم- أخٌ!

من أبٍ يتبسَّم في عرسها..

وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..

وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،

لينالوا الهدايا..

ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)

ويشدُّوا العمامة..

لا تصالح!

فما ذنب تلك اليمامة

لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً،

وهي تجلس فوق الرماد؟!

(4)

لا تصالح

ولو توَّجوك بتاج الإمارة

كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟

وكيف تصير المليكَ..

على أوجهِ البهجة المستعارة؟

كيف تنظر في يد من صافحوك..

فلا تبصر الدم..

في كل كف؟

إن سهمًا أتاني من الخلف..

سوف يجيئك من ألف خلف

فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة

لا تصالح،

ولو توَّجوك بتاج الإمارة

إن عرشَك: سيفٌ

وسيفك: زيفٌ

إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف

واستطبت- الترف

(5)

لا تصالح

ولو قال من مال عند الصدامْ

“.. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام..”

عندما يملأ الحق قلبك:

تندلع النار إن تتنفَّسْ

ولسانُ الخيانة يخرس

لا تصالح

ولو قيل ما قيل من كلمات السلام

كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟

كيف تنظر في عيني امرأة..

أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟

كيف تصبح فارسها في الغرام؟

كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام

-كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام

وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟

لا تصالح

ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام

وارْوِ قلبك بالدم..

واروِ التراب المقدَّس..

واروِ أسلافَكَ الراقدين..

إلى أن تردَّ عليك العظام!

(6)

لا تصالح

ولو ناشدتك القبيلة

باسم حزن “الجليلة”

أن تسوق الدهاءَ

وتُبدي -لمن قصدوك- القبول

سيقولون:

ها أنت تطلب ثأرًا يطول

فخذ -الآن- ما تستطيع:

قليلاً من الحق..

في هذه السنوات القليلة

إنه ليس ثأرك وحدك،

لكنه ثأر جيلٍ فجيل

وغدًا..

سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،

يوقد النار شاملةً،

يطلب الثأرَ،

يستولد الحقَّ،

من أَضْلُع المستحيل

لا تصالح

ولو قيل إن التصالح حيلة

إنه الثأرُ

تبهتُ شعلته في الضلوع..

إذا ما توالت عليها الفصول..

ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)

فوق الجباهِ الذليلة!

(7)

لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم

ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..

كنت أغفر لو أنني متُّ..

ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.

لم أكن غازيًا،

لم أكن أتسلل قرب مضاربهم

لم أمد يدًا لثمار الكروم

لم أمد يدًا لثمار الكروم

أرض بستانِهم لم أطأ

لم يصح قاتلي بي: “انتبه”!

كان يمشي معي..

ثم صافحني..

ثم سار قليلاً

ولكنه في الغصون اختبأ!

فجأةً:

ثقبتني قشعريرة بين ضلعين..

واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ!

وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ

فرأيتُ: ابن عمي الزنيم

واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم

لم يكن في يدي حربةٌ

أو سلاح قديم،

لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ

(8)

لا تصالحُ..

إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:

النجوم.. لميقاتها

والطيور.. لأصواتها

والرمال.. لذراتها

والقتيل لطفلته الناظرة

كل شيء تحطم في لحظة عابرة:

الصبا – بهجةُ الأهل – صوتُ الحصان – التعرفُ بالضيف – همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي – الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ – مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ

وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة

كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة

والذي اغتالني: ليس ربًا..

ليقتلني بمشيئته

ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته

ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة

لا تصالحْ

فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ..

(في شرف القلب)

لا تُنتقَصْ

والذي اغتالني مَحضُ لصْ

سرق الأرض من بين عينيَّ

والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!

(9)

لا تصالح

ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخ

والرجال التي ملأتها الشروخ

هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم

وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ

لا تصالح

فليس سوى أن تريد

أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد

وسواك.. المسوخ!

(10)

لا تصالحْ

لا تصالحْ

المراجع : ويكيبيديا – مجموعة من دواوين محمود درويش .

محمود درويش ، أحد أهم الشعراء الفلسطينين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة و الوطن المسلوب . يعتبر درويش أحد أبرز من ساهم بتطوير الشعر العربي الحديث و إدخال الرمزية فيه . في شعر درويش يمتزج الحب بالوطن بالحبيبة الأنثى .

بداية حياته

محمود درويش الابن الثاني لعائلة تتكون من خمسة ابناء وثلاث بنات ، ولد عام 1942 في قرية البروة ، وفي عام 1948 لجأ الى لبنان وهو في السابعة من عمره وبقي هناك عام واحد ، عاد بعدها متسللا الى فلسطين وبقي في قرية دير الاسد شمال بلدة مجد كروم في الجليل لفترة قصيرة، استقر بعدها في قرية الجديدة شمال غرب قريته الام البروة.

تعليمه
ا
كمل تعليمه الابتدائي بعد عودته من لبنان في مدرسة دير الاسد متخفيا ، فقد كان يخشى ان يتعرض للنفي من جديد اذا كشف امر تسلله ، وعاش تلك الفترة محروما من الجنسية ، اما تعليمه الثانوي فتلقاه في قرية كفر ياسيف .

حياته

انضم محمود درويش الى الحزب الشيوعي في اسرائيل ، وبعد انهائه تعليمه الثانوي ، كانت حياته عبارة عن كتابة للشعر والمقالات في الجرائد مثل “الاتحاد” والمجلات مثل “الجديد” التي اصبح فيما بعد مشرفا على تحريرها ، وكلاهما تابعتان للحزب الشيوعي ، كما اشترك في تحرير جريدة الفجر .

لم يسلم من مضايقات الاحتلال ، حيث اعتقل اكثر من مرّة منذ العام 1961 بتهم تتعلق باقواله ونشاطاته السياسية ، حتى عام 1972 حيث نزح الى مصر وانتقل بعدها الى لبنان حيث عمل في مؤسسات النشر والدراسات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وقد استقال محمود درويش من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الحتجاجا على اتفاق اوسلو.

شغل منصب رئيس رابطة الكتاب والصحفيين الفلسطينيين وحرر في مجلة الكرمل ، واقام في باريس قبل عودته الى وطنه حيث انه دخل الى اسرائيل بتصريح لزيارة امه ، وفي فترة وجوده هناك قدم بعض اعضاء الكنيست الاسرائيلي العرب واليهود اقتراحا بالسماح له بالبقاء في وطنه ، وقد سمح له بذلك.

وحصل محمود درويش على عدد من الجوائز منها:

جائزة لوتس عام 1969.
جائزة البحر المتوسط عام 1980.
درع الثورة الفلسطينية عام 1981.
لوحة اوروبا للشعر عام 1981.
جائزة ابن سينا في الاتحاد السوفيتي عام 1982.
جائزة لينين في الاتحاد السوفييتي عام 1983

بعض مؤلفاته

عصافير بلا اجنحة (شعر) – 1960.
اوراق الزيتون (شعر).
عاشق من فلسطين (شعر).
آخر الليل (شعر).
مطر ناعم في خريف بعيد (شعر).
يوميات الحزن العادي (خواطر وقصص).
يوميات جرح فلسطيني (شعر).
حبيبتي تنهض من نومها (شعر).
محاولة رقم 7 (شعر).
احبك أو لا احبك (شعر).
مديح الظل العالي (شعر).
هي اغنية … هي اغنية (شعر).
لا تعتذر عما فعلت (شعر).
عرائس.
العصافير تموت في الجليل.
تلك صوتها وهذا انتحار العاشق.
حصار لمدائح البحر (شعر).
شيء عن الوطن (شعر).
ذاكرة للنسيان
وداعا ايها الحرب وداعا ايها السلم (مقالات).
كزهر اللوز أو أبعد
في حضرة الغياب (نص) – 2006

من أجمل ما كتب :

وعود من العاصفة .

و ليكن ..

لا بدّ لي أن أرفض الموت

و أن أحرق دمع الأغنيات الراعفه

و أعرّي شجر الزيتون من كل الغصون الزائفة

فإذا كنت أغني للفرح

خلف أجفان العيون الخائفة

فلأنّ العاصفة

وعدتني بنبيذ.. و بأنخاب جديده

و بأقواس قزح

و لأن العاصفة

كنست صوت العصافير البليده

و الغصون المستعارة

عن جذوع الشجرات الواقفه.

و ليكن..

لا بدّ لي أن أتباهى، بك، يا جرح المدينة

أنت يا لوحة برق في ليالينا الحزينة

يعبس الشارع في وجهي

فتحميني من الظل و نظرات الضغينة

سأغني للفرح

خلف أجفان العيون الخائفة

منذ هبت، في بلادي، العاصفة

وعدتني بنبيذ،وبأقواس قزح….
————–
إلى أمي

أحنّ إلى خبز أمي

و قهوة أمي

و لمسة أمي

و تكبر في الطفولة

يوما على صدر يوم

و أعشق عمري لأني

إذا متّ..

أخجل من دمع أمي!

خذيني ،إذا عدت يوما

وشاحا لهدبك

و غطّي عظامي بعشب

تعمّد من طهر كعبك

و شدّي وثاقي..

بخصلة شعر

بخيط يلوّح في ذيل ثوبك..

عساي أصير إلها

إلها أصير..

إذا ما لمست قرارة قلبك!

ضعيني، إذا ما رجعت

وقودا بتنور نارك..

وحبل غسيل على سطح دارك

لأني فقدت الوقوف

بدون صلاة نهارك

هرمت ،فردّي نجوم الطفولة

حتى أشارك

صغار العصافير

درب الرجوع..

لعشّ انتظارك!
————–
عن إنسان

وضعوا على فمه السلاسل

ربطوا يديه بصخرة الموتى ،

و قالوا : أنت قاتل !

***

أخذوا طعامه و الملابس و البيارق

ورموه في زنزانة الموتى ،

وقالوا : أنت سارق !

طردوه من كل المرافيء

أخذوا حبيبته الصغيرة ،

ثم قالوا : أنت لاجيء !

***

يا دامي العينين و الكفين !

إن الليل زائل

لا غرفة التوقيف باقية

و لا زرد السلاسل !

نيرون مات ، ولم تمت روما …

بعينيها تقاتل !

وحبوب سنبلة تموت

ستملأ الوادي سنابل ..!