الزملاء الكرام : كتبت هذا الموضوع منذ سنوات في أحد المنتديات , ثم تراجعت عما فيه في فترة صراع داخلي حاد بين المتدين القديم و اليساري الجديد…
أعود الآن لطرحه لازدياد قناعتي بصحة ما كتبت …
إليكم الموضوع :

بعد جلسة حوار مطولة بيني و بين بعض الأصدقاء , و إلحاح أحد أصدقائي على وجه الخصوص لكشف ما يرى أنه ((ضبابية فكرية)) أعاني منها , كانت ليلة أمس ليلة مرهقة حاولت فيها استجماع ما أمكن من قواي الذهنية و ما قرأت من كتب و مقالت لصوغ مقال يوضح بشكل مجمل قناعات [يسار]..
كان السؤال الموجه إلي : هل أنت ماركسي لينيني أي شيوعي بالمعنى المتعارف عليه؟
و كان جوابي: كلا لست كذلك.
و تناقشنا في أفكاري و معتقداتي فقال لي صديقي : ما الفرق بين ما تنادي به إذاً و بين الليبرالية؟ و على أي أساس تكون أنت يسارياً و فلان ليبرالياً مثلاً..
و الجواب باختصار :
لنعد بالزمن قليلاً إلى الوراء..
عندما انهار الاتحاد السوفييتي ومعه كل الأنظمة الاشتراكية في أوروبا تحول العالم إلى نظام القطب الواحد، عملياً. هذا التطور قاد إلى تصعيد لم يسبق له مثيل في السياسة الأمريكية، والغربية عموماً، وهذا التصعيد وجد تعبيراً عنه في تصعيد عنيف للاستغلال الاقتصادي الذي يمارسه الغرب الرأسمالي الصناعي، بقيادة أمريكا، ضد كل شعوب العالم.
إن المخطط الأمريكي، هو مخطط تفتيت وتفكيك الدول القومية، بل وتفكيك الفكرة القومية والرابطة القومية ويبيعون”العولمة” على أنها تفكيك كل شيء، وتقديس المال والتقدم الشخصي الموهوم في عالم، بلا قومية، وبلا ثقافة، وبلا تراث، وبلا انتماء جماعي للشعب..
هذا هو الوجه الحقيقي للرأسمالية العالمية بزعامة أمريكا في الوقت الحالي.
يطرح ما سبق أمامنا السؤال التالي :
هل الماركسية بشكلها التقليدي هي الحل؟
إن التجربة الاشتراكية تجربة عاصفة وعظيمة، ولكن العاصفة العالمية تحولت بسرعة تاريخية إلى مستنقع للبيروقراطية الدموية والطبقية المرعبة والاغتيالات وغياب أبسط حقوق الإنسان.
ولذلك فإننا نستذكر القول الشهير للفيلسوف الألماني الشهير هيغل “كل نظام يسقط أغلب الظن أنه كانت أسباب موضوعية لسقوطه”.
هل يعني هذا الكلام أن الرأسمالية هي الخيار وما علينا إلاّ أن ندور في فلك النظام الاحتكاري-الاستعماري الأمريكي؟
يقيناً أن الصراع الطبقي، بمعناه الشامل، الاقتصادي والاجتماعي والفلسفي، هو حتمية تاريخية في ظل نظام الاستغلال البشع واحتكار القلة القليلة لأكثرية خيرات المجتمع. .
و لكن بشكل مختلف عن التجربة السوفييتية السابقة.
إذا كان ماركس وإنجلز قد نظَّرا لمطلع القرن التاسع عشر، وإذا كان لينين قد نظَّر للثورة البروليتارية في مطلع القرن العشرين، فإن التخمين العلمي يقول إن النضال العمالي، الاشتراكي، الاجتماعي، في عصرنا العاصف يحتاج إلى رؤية جديدة، إلى صياغة جديدة، إلى نضال في ظروف جديدة تماماً، وإلى أساليب ديمقراطية وجماهيرية لم تكن ممكنة قبل قرن من الزمان.
إذاً نعود للسؤال الجوهري : ما هو لب فكرك يا يسار ؟؟
قال ماركس ذات مرة : ((أنا إنسان و كل ما هو إنساني ليس غريباً عني))
فالمطلوب بدون تأجيل هو أنسنة الماركسية، بحيث تضم بالإضافة إلى الصراع الطبقي، الصراع الثقافي، الصراع دفاعاً عن حقوق الإنسان، الصراع للمساواة الحقيقية للمرأة، الصراع دفاعاً عن الأقليات، الصراع العالمي دفاعاً عن العمال الأجانب، وأمواج الهجرة من العالم الثالث إلى الدول الصناعية..
و لعل ما سبق يوضح لزميلي علان الفرق بين اليساري الاشتراكي و الليبرالي الرأسمالي و يوضح له بشكل مجمل قناعاتي حول الموضوع.
إن المهمة تتجاوز الممارسة و الخطاب التقليديين لليسار الرسمي ، ليس المطلوب اليوم تلقين الناس مبادئ الماركسية أو التروتسكية أو الماوية و لا حتى الأناركية أو مقولات اليسار الجديد أو حركات مناهضة العولمة و تحويلهم بالتالي إلى “أتباع مخلصين” و مغفلين في حقيقة الأمر للقيادات اليسارية “المتفوقة” التي يفترض الخطاب التقليدي تفويضها بمجمل المشروع الثوري لإعادة بناء العالم ، إن المطلوب هو أن نشجع الناس العاديين على التحدث ببساطة و عفوية ، لا مشكلة ، لكن بشكل مستقل و دون تابوهات أو أفكار أو تصورات مسبقة أو إجبارهم على الإنصات إلى مونولوج النخب و القوى المسيطرة أي من دون القمع النخبوي و من دون قمع القوى المهيمنة لحراكها الخاص المستقل ، هو أن نشجع الناس على التفكير المستقل و وضع خطط عمل لنشاط مستقل يكونون هم أساسه و مركزه و منظريه و منفذيه ، و خطط لمؤسسات تنبعث منهم لا أن تفرض عليهم مخططات القوى المسيطرة و النخب و المؤسسات التي تحمي سلطة هذه النخب أو هيمنتها كشكل وحيد للعمل و للحياة..

ليست القضية في الانتقال من شمولية الستالينية أو التنظيم الكلي للماركسية أو الشكل التسلطي المسمى بالديمقراطية المركزية اللينينية إلى عفوية مطلقة تقدس الجماهير مكان قدسية الإيديولوجيا كما كان يفعل اليسار الرسمي حتى اليوم ، فالفكر الثوري سيبقى حاضرا بشكل أساسي لكن ليس كنصوص مقدسة يجب حفظها و ترديدها من قبل الكوادر على نحو غبي و متكلف ، و تلقينها للجماهير بشكل ديني صوفي ، كزيت مقدس ضروري لعمل هؤلاء الكهنة الحمر البديل الستاليني عن كهنة آلهة السماء و الأرض ، إن المطلوب هو تفاعل حقيقي بين الفكر و الحياة ، فالفكر اليساري أو التقدمي أو الباحث عن “الحقيقة” و خاصة عن الحرية الإنسانية إن شئتم في حالة أزمة و ليس في حالة يستطيع فيها أي كان أن يدعي امتلاكه لهذه الحقيقة المطلقة ، نعم ، المطلوب هو التخلي عن تقديس النصوص إلى تقديس الحياة نفسها متمثلة في وجود الناس ، الفقراء ، البسطاء ، المبدعين ، الصعاليك ، الباحثين عن معنى لحياتهم ، الباحثين عن الحرية ، الرافضين للاستبداد و للطغيان ، في الوجود الإنساني و بحثه الدائم عن الحرية و الكرامة الإنسانيتين و في تحديه للسائد سواء السلطوي أو الشعبوي نحو آفاق جديدة من الحرية و المساواة و العدالة..
هذا ما أحلم به و أطمح إليه..

Advertisements