المراجع : من كتاب أعلام الفكر الفلسفي المعاصر , المقدمة كالعادة من ويكيبيديا:)

[ لقد كتبت كتبي بدمي]…فريدريك نيتشه.

السيرة الذاتية :

فريدريك فيلهيلم نيتشه (15 أكتوبر ، 1844 – 25 أغسطس، 1900) فيلسوف ألماني ، عالم نفس،و عالم لغويات متميز. تميز بشخصية عدوانية جداً، و كونه ناقدا حادّا للمبادئ الأخلاقية،و النفعية، و الفلسفة المعاصرة ، المادية، المثالية الألمانية، الرومانسية الألمانية، والحداثة عُموماً.

يعتبر من بين الفلاسفة الأكثر شيوعا و تداولا بين القراء . كثيرا ما توصف أعماله بأنها حامل أساسي لأفكار الرومانسية الفلسفية و العدمية و معاداة السامية و حتى النازية لكنه يرفض هذه المقولات بشدة و يقول بأنه ضد هذه الإتجاهات كلها .[ أفردت لهذا الموضوع فقرة خاصة تأتي بعد قليل فاصبر عزيزي القارئ].

في مجال الفلسفةِ والأدبِ، يعتبر نيتشه في أغلب الأحيان إلهام للمدارس الوجودية وما بعد الحداثة.

روج لافكار اللاعقلانية والعدمية، استخدمت بعض آرائه فيما بعد من قبل ايديولوجي الفاشية.

معاناته :

إن فلسفة هذا الإنسان هي ترجمة أمينة لمأساته الذاتية سيما إن أخذنا العوامل التالية في اعتبارنا:
فقد أغرم بفتاة من أصل روسي هي : لور أندرياس سالومي و عرض عليها الزواج فرفضته .
أما قصته مع المرض فهي أكثر إيلاماً..فقد ألف نيتشه مؤلفاته و هو يحارب المرض بضراوة , يكتب برغم عينيه نصف الضريرتين و نوبات الصداع الحادة و الآلام الجسمانية العنيفة.
و في عام 1889 أصيب بانهيار عقلي أعقبه شلل تدريجي و قضى أحد عشر عاماً في إحدى المصحات العقلية حتى وافاه الأجل عام 1900 .
هذا العذاب البدني و الفكري يحسه القارئ حين يقرأ كتابه الشهير [ هكذا تكلم زرادشت] فهذا الكتاب بلا مبالغة تعذيب فكري منهجي للعقل البشري تبدو كتب الطب على قسوتها إلى جانبه حنونة وادعة !

من أشهر أعماله :

هكذا تكلم زرادشت _ بمعزل عن الخير و الشر _ إرادة القوة _ العلم المرح…و غيرها..

مقتطفات من [ هكذا تكلم زرادشت] :

((اكتب بدمك فتعلم حينئذ أن الدم روح ، وليس بالسهل أن يفهم الإنسان دماً غريباً ، إن من يكتب سوراً بدمه لا يريد أن تتلى السور تلاوة ، بل يريد أن تستظهرها القلوب .ومن توصل بأقدامه الى طرد الأشباح لا يصعب عليه أن يخلق من الجن له أتباعاً .))

((علينا إذاً أن نكبح جماح قلوبنا كيلا تجر عقولنا معها إلى الضلال))

قال في الطفل والزواج :

((ليس عليك أن ترسل سلالتك إلي الأمام فحسب ،بل عليك بخاصة أن ترفعها إلي فوق .فليكن عملك في حقل الزواج منصباً إلي هذه الغاية .

عليك أن تجد جسداً جوهره أنقى من جوهر جسدك ليكون حركة أولى وعجلة تدور لنفسها على محورها ، فواجبك إذاً هو إيداع من يبدع . ))
فالزواج في عرفه اتحاد إرادتين لإيجاد فرد ذو إرادة يفوق من كانا سبب وجوده والزواج حرمه متبادلة ترسو على احترام هذه الإرادة والمقصود بها إرادة الطفل .

الوجودية عند نيتشه و مفهوم الخير و الشر :

((إن هذا هو خيري الذي أحب ، إن هذا ما يثير إعجابي ،فأنا لا أريد الخير إلا على هذه الصورة، لا أريد هذه الأشياء تبعا لإرادة إله ولا عملا بوصية أو ضرورة بشرية ، فأنا لا أريد أن يكون لي دليل يهديني إلى عوالم عليا وجنات خلود ..))

.
((وتمثل زرادشت مرور رهط من الكهنة أمامه فقال لأتباعه :

هؤلاء هم الكهنة ، فعليكم – وان كانوا أعدائي – أن تمروا أمامهم صامتين وسيوفكم ساكنة في أغمادها ، فان بينهم أبطالاً ومن تحملوا شديد العذاب فهم لذلك يريدون أن يعذبوا الآخرين .

أنهم لأعداء خطرون ، وما من حقد يوازي ما في أنضاعهم من ضغينة وقد يتعرض من يهاجمهم الى تلطيخ نفسه ، لكن بيني وبينهم صلة الدم وأنا أريد أن يبقى دمي مشرفا حتى في دمائهم .))

فنيتشه حسب هذه النصوص يعلن كونه وجودياً ملحداً و ناقداً شرساً للموروث و الأخلاق و مجدفاً على الذات الإلهية..

بعد ما سبق ننتقل للجوانب التي أقدرها كثيراً في فلسفة نيتشه :

الإنسان المتفوق :

ففكرة [الإنسان المتفوق ] التي تشكل محور كتاب هكذا تكلم زرادشت فكرة إنسانية تؤسس للرقي بالإنسان فكرياً بالعلم و جسدياً بالرياضة و روحياً بالإيمان الحق الذي يصنع أرواحاً قوية لا نفوساً خانعة [ و هذا ما تفاوت قراء نيتشه في فهمه فصنفه الغالبية في خانة الإلحاد و معاداة الإيمان…لكن يعذرهم المرء إن اختلفوا في الفهم لأن لغة نيتشه صعبة هذا إضافة لجو سحري غامض يسود الكتاب من أوله لآخره.. ]…طبعاً لا أنفي وجودية نيتشه أبداً لكنه يستحق أن يقرأ بعمق أكثر..
المهم أن هذه الفكرة الإنسانية القائلة بتطوير الإنسان و الرقي به حولها هتلر و النازيون لنزوع إجرامي رهيب يفترض التفوق حكراً على عرق واحد و ليس فقط كذلك بل على الأفراد المتمتعين بصفات جسمانية و معدلات ذكاء محددة..فالمتفوق عند النازيين هو هؤلاء فقط فهم من يسود و يستعبد باقي البشرية …

إرادة القوة :
أعلى نيتشه من شأن الإنسان رافضاً الذلة و الانكسار و المسكنة ممجداً للقوة ميقناً أنها لا تأتي إلا بالخير هذا إن تجاوزنا الفهم الذي نعرفه جميعاً للخير و الشر..

ما سبق يفرض علي تساؤلات كإنسان مؤمن و مقدس للذات الإلهية و لكن يحترم مفكراً من وزن نيتشه :

هل كان لنشأة نيتشه في بيئة متطرفة في تدينها و ذات نزعة تطهرية عنيفة تقسر المرء على الشعور بالذنب و الإثم لمجرد وجوده و إحساسه بذاته أثر في نزوعه الشديد للانعتاق من كل القيود إلا إرادة القوة؟

ثم قدر الألم و المرض و المعاناة..ألا يبعث في نفوس الكثير من البشر نزعات الحنق و السخط و النقمة على كل شئ؟

و ختاماً : هل كان نيتشه فعلاً حاملاً فكرياً للنازية أم أن أفكاره استغلت و أسئ تفسيرها كما هو شأن معظم أفكاره؟
أسئلة كثير تقفز للذهن عند الحديث عن نيتشه …بانتظار آرائكم..

أما عن كتاب [النبي] لجبران , فهو فعلاً يستحق التوقف عنده..
قرأته منذ سنين قبل أن أعرف نيتشه , و بعد أن عرفت نيتشه فهمت ما فعله جبران الذي استطاع بعقله الفذ أن يمزج بين شخصية [ الإنسان المتفوق ] و شخصية السيد المسيح عليه السلام ليخرج بعمل أدبي أخاذ يسعد القلب و الروح…
أعود لنيتشه..فهناك محاور كثيرة لم تأخذ حقها في الموضوع , و ربما يجد لي القارئ الكريم العذر فضخامة فكر نيتشه تجعل حصر أفكاره عملاً شبه مستحيل..
و استكمالاً لمحور الوجودية عند نيتشه :
يصنف الباحثون الفلسفة الوجودية إلى نزعتين :
نزعة تضاد الدين و فكرة الإله بقوة و هي النزعة التي يمثلها بشكل أساسي نيتشه و بول سارتر أما وجودية فيلسوف أقل شهرة هو ياسبيرز فهي وجودية تحاول التوفيق بين اللادينية و الإيمان فهي وجودية لا دينية لكن ليست ملحدة..
لم أذكر في بداية المقال أن نيتشه ولد لأب قسيس و لأم تضم عائلتها عدداً من رجال الدين , و تربى في بيئة كان لها كما أرى أكبر الأثر فيما بعد في تكوينه النفسي.
يختلف نيتشه عن معظم الفلاسفة بالارتباط الوثيق بين فلسفته و تجربة حياته , فهو ليس ذلك المتأمل النائي بنفسه عن معمعة الوجود , و هو لا يكتب كما يقال [ من فوق الأساطيح]..إنه فعلاً يكتب بمعاناته..يكتب بدمه…
تحياتي..

Advertisements